آفاق روحية
"كثير من رفاقي قرأ هذه الرواية القصيرة ولم يلق لها بالاً بشكل جيد , على الرغم من أني أراها أفضل ما كتبت في الرواية وهي قمة كتاباتي النثرية فأرجو أن تقرؤوها باهتمام وتمعن"
في حلكة الليل العبوس أقف راكعاً أمام إله الحياة أجاذب نفسي وأنازعها ألغاز الكون وأطوار الوجود…مرتحلاً بفكري إلى بدء حياتي .. وعندها أتذكر كيف عشت وأنا صغير بين أفراح الحياة ..وكيف كنت أملأ الدنيا بحبي الطفولي وبسمتي المضحكة الخجولة … كنت أقطف كل يوم جنا تلك المحبة وأسقيه سلافاً للأيام …ولما أن كبرت وحلمت وصرت أعرف الدنيا وما فيها والناس وما تريد … والكون وما شأنه … تجهمني قلبي فنازعني المودة والصفاء … وعرفت أنني بدأت حياة البؤس والشقاء…
وكانت اليد الطولى لهذه الحياة تتمثل في شدة خجلي , تتمنطق بي وتمسك بزمام أمري لتقودني إلى متاهات ذاتي وأضغاث أحلامي وعشوائية أمنياتي …. سارت بي نحو ذلك الظلام المكتوم بين جبلي البؤس والحرمان … وبنت لي كوخاً هناك..في أعماق ذاتي..لأعيش ما حييت بدنيا الظلام التي لست أدري من أين آتي بقبس أنير به جنبات هذا المسكن الجديد..
أنا في الحقيقة مغامر هابته الحدثان من حيث لم يهبها …وترجلت الأقدار من حيث عزم على الركوب…فكان مخالفاً في كل شيء لأن الذي يعتاد على حياة الظلام لابد له أن يقابل ظلام الحياة….فقمت أريد إجلاء الظلام بشدة ظلامي قبل أن تلتقي روحي بروح الظلام صراعاً عسى أن يتحارب الظلامان بشدة فيفني أحدهم الآخر فأتخلص من أحد الشرين , أو أن يفنى الإثنان معاً فأكون بذلك قد أنجزت إنجازاً عظيماً…واصطدم ظلامي بظلام الحياة..ودارت معارك طاحنة زهقت خلالها الكثير من الأحلام والأمنيات المظلمة..ماتت خفافيش أفكاري… اضطربت سواكن ظلامي ..من ثم تشقق ذلك الظلام القاتم المخيم فوق رؤوس الخلائق حتى غدا ظلام الحياة يتمزق شيئاً فشيئاً ..وبدت من خلاله خيوط النور الذي في داخلي… وانقشع بعد عناء طويل ظلام الحياة وظهر نورها فالتحم بنوري المنتشر من خلف بقايا ظلامي المتهاوي فأنارت الحياة … وأشرقت الوجوه.. ليغيب ظلامي على حسب اعتقادي إلى الأبد إلى الأبد ورضيت بتلك البقعة من الدنيا دنيا لي وبدات أسعى لفك قيود الظلم بعد فك قيود الظلام ..فتنقلت في دنياي شرقاً وغرباً أبحث فيه عن مكامن الظلم …حتى دخلت إلى واد غاف في سبات الأزمان ليس هناك من يحركه أبداً … قرأت صفحته المكتوبة على أحد جنبيه فعرفت من يسكنه ..وعرفت اسمه .. إنه وادي المنفى … إليه تنفى ذئاب الحياة…في هذا المكان الوضيع تنام ذئاب الحياة المطرودة من دنياها … تنام لأنها فقدت أي قدرة على بعث الحياة في قبائلها … من أجل هذا وقفت فوقها على أحد تلال ذلك الوادي الكبير ونفخت من روحي نوراً مسلطاً على تلك الذئاب النائمة أحثها على النهوض بعزم وقوة … وبقيت قروناً وقروناً وأنا أستنهض الهمم في تلك الذئاب الغافية …يوماً تلو يوم وهي تتنبه من غفوتها….
سنة وراء سنة وهي تنفض غبار الأيام عن جسدها..
عقد تلو عقد ومن ثم قروناً وهي تصارع النعس الذي قطب جفونها وأرهق عيونها حتى انتفضت بكل قوة من خنوعها…وعوت بأعلى صوتها معبرة عن رفضها لظلام الحياة وظلمها الذي أنامها كل هذه القرون..
ودوى عويلها في كل جناب الوادي وارتفعت الذئاب طائرة ً بنشاط إليّ لتحملني فوق أمتانها .
تحملني لتنقلني إلى هناك …إلى حيث تقبع الغزلان والحملان في قصورها.. تحملني إلى حيث أقضّ أركان الحياة وأغير قوانينها .. وأنسف مبادئها التي ظلت تقدس الحمل طيلة تلك الأيام حتى تربع على عرش الوداعة فاستبد بملكه عندما رأى حب الخلق له… وترفع حتى عن محادثتهم… فكان أطغى من وجد في هذه الحياة…تحملني إلى هناك لأغير كل المبادئ التي جعلت الذئاب سيدة الإجرام فنفتها إلى حيث لا حياة هناك… والآن شعرت الذئاب بذنبها وتنبهت من غفوتها لتعود آملة أن تعيش مع الخلائق على قدم المساواة .
هكذا حملت إلى هناك على متن تلك الذئاب الطائرة من واد لواد … ومن جبل إلى جبل..إلى أن وصلنا إلى مملكة الوداعة الكاذبة .. فعوت ذئابي بعالي صوتها حتى اهتز عرش المملكة تحت أقدام كبير اللطفاء الوديعين ….ودوى صوتها بين جدران تلك المملكة حتى صار موت الخلق هناك خير من سماع صوت ذئابي وهي تعوي بحزن وحقد معاً وكأنها تقول لكل من يسمعها …"هاأنذا القدر الخفي وراء السنين… هاأنذا هادم لذاتكم .. هاأنذا مغير أحوالكم وحياتكم.. هلموا أيها الذئاب المسكينة وتعالوا فانتزعوا ببراثنكم ولو كلفتم سفك الدماء تلك الحملان الوديعة شكلاً المملوءة خداعاً ونفاقاً .." .
واستجيب لذلك لصوت .. وكان في ذلك اليوم ما كان .. وصارت صرخة الذئب أجمل أصوات الحياة…وبريق عيون الذئب ألمع أنوار الحياة.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ